أحمد ابراهيم الهواري

55

من تاريخ الطب الإسلامي

وبعضه قد كان من الدقة بحيث تعمش عنه عيون هؤلاء الذين في العصر - فقد بلينا برفقة منهم عارى الفهم كأنهم خشب مسندة يرون التعمق في النظر بدعة ، ومخالفة المشهور ضلالة كأنهم الحنابلة في كتب الحديث لو وجدنا منهم رشيدا أثبتناه بما حققناه - فكنا ننفعهم به ، وربما تسنى لهم الإيغال في معناه فعوضونا منفعة استبدوا بالتنفير عنها . ومن جملة ما ضننا بإعلانه عابرين عليه - حق مغفول عنه يشار إليه فلا يتلقى إلا بالتعصب . فلذلك جرينا في كثير مما نحن خبراء ببجدته مجرى المساعدة دون المحاقة . ولو كان ما انكشف لنا أول ما انصببنا إلى هذا الشأن لم نبد فيه مراجعات منا لأنفسنا ومعاودات من نظرنا - لما تبينا فيه رأيا ولاختلط علينا الرأي وسرى في عقائدنا الشك ، وقلنا لعل وعسى . لكنكم أصحابنا تعلمون حالنا في أول أمرنا وآخره وطول المدة التي بين حكمنا الأول والثاني ، وإذا وجدنا صورتنا هذه فبالحري أن نثق بأكثر ما قضيناه وحكمنا به واستدركناه ، ولا سيما في الأشياء التي هي الأغراض الكبرى والغايات القصوى التي اعتبرناها وتعقبناها مئين من المرات . ولما كانت الصورة هذه والقضية على هذه الجملة ، أحببنا أن نجمع كتابا يحتوى على أمهات العلم الحق الذي استنبطه من نظر كثيرا وفكر مليا ، ولم يكن من جودة الحدس بعيدا واجتهد في التعصب لكثير فيما يخالفه الحق فوجد لتعصبه وما يقوله وفاقا عند الجماعة غير نفسه ، ولا أحق بالإصغاء إليه من التعصب لطائفة إذا أخذ يصدق عليهم فإنه لا ينجيهم من العيوب إلا الصدق . وما جمعنا هذا الكتاب لنظهره إلا لأنفسنا - أعنى الذين يقومون منا مقام أنفسنا - وأما العامة من مزاولي هذا الشأن فقد أعطيناهم في ( كتاب الشفاء ) ما هو كثير لهم وفوق حاجتهم ، وسنعطيهم وفي اللواحق ما يصلح لهم زيادة على ما أخذوه ، وعلى كل حال فالاستعانة بالله وحده » . ويظهر لنا من هذه المقدمة الفرق الشاسع بين المترجمين ومتتبعى فلسفة اليونان الذين كانوا يتلقون آراء فلاسفة اليونان في جميع الأحوال بأحسن قبول ويعتبرون عقولهم منتهى ما يصل إليه العقل ، وبين الحكماء أصحاب الرأي والنظر من المتأخرين أمثال ابن سينا ممن لم يكونوا يرون في عقول فلاسفة اليونان أقصى ما يبلغه العقل البشرى ولم يكونوا يتقبلون آراءهم كحقائق لا تقبل الشك والجدل . كان يرى الشيخ الرئيس أن فلسفة أرسطو تعتبر كاملة لزمان أرسطو فحسب ، وأن للأجيال القادمة أن تبدى فيها رأيها تنقدها وتصحح ما تراه فيها من الخطأ كما كانت نظرة الرازي لأراء جالينوس في الطب .